أبي حيان الأندلسي

394

البحر المحيط في التفسير

المال ، وقال ابن شبرمة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والأوزاعي في إحدى الروايتين : ما اكتسبه بعد الردة لورثته المسلمين . وقال أبو حنيفة ، ما اكتسبه في حالة الإسلام قبل الردة لورثته المسلمين . وقرأ الحسن : حبطت بفتح الباء ، وهما لغتان ، وكذا قرأها أبو السماك في جميع القرآن ، وقوله : فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أتى باسم الإشارة وهو يدل على من اتصف بالأوصاف السابقة ، وأتى به مجموعا حملا على معنى : من ، لأنه أولا حمل على اللفظ في قوله : يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ وإذا جمعت بين الحملين ، فالأصح أن تبدأ أولا بالحمل على اللفظ ، ثم بالحمل على المعنى . وعلى هذا الأفصح جاءت هذه الآية و فِي الدُّنْيا متعلق بقوله : حَبِطَتْ . وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ تقدّم تفسير هذه الجملة ، فأغنى عن إعادته ، وهذه الجملة يحتمل أن تكون ابتداء إخبار من اللّه تعالى بخلود هؤلاء في النار ، فلا تكون داخلة في الجزاء وتكون معطوفة على الجملة الشرطية ، ويحتمل أن تكون معطوفة على قوله : فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فتكون داخلة في الجزاء ، لأن المعطوف على الجزاء جزاء ، وهذا الوجه أولى ، لأن القرب مرجح ، وترجح الأول بأنه يقتضي الاستقلال . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ سبب نزولها أن عبد اللّه بن جحش قال : يا رسول اللّه هب أنه عقاب علينا فيما فعلناه فهل نطمع منه أجرا وثوابا فنزلت لأن عبد اللّه كان مؤمنا وكان مهاجرا ، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهدا ، ثم هي عامة في من اتصف بهذه الأوصاف . وقال الزمخشري إن عبد اللّه بن جحش وأصحابه ، حين قتلوا الحضرمي ، ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر ، فنزلت . انتهى كلامه . وهو كالأول ، ألّا أنه اختلف في الظان ، ففي الأول ابن جحش ، وفي قول الزمخشري : قوم ، وعلى هذا السبب فمناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة . وقيل : لما أوجب الجهاد بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وبيّن أن تركه سبب للوعيد ، اتبع ذلك بذكر من يقوم به ، ولا يكاد يوجد وعيد إلّا ويتبعه وعد ، وقد احتوت هذه الجملة على ثلاثة أوصاف ، وجاءت مرتبة بحسب الوقائع والواقع ، لأن الإيمان أولها ، ثم المهاجرة ، ثم الجهاد في سبيل اللّه . ولما كان الإيمان هو الأصل أفرد به موصول وحده ، ولما كانت الهجرة والجهاد فرعين عنه أفردا بموصول واحد ، لأنهما من حيث الفرعية كالشئ الواحد . وأتى خبر : أن ، جملة مصدرة :